حزب سورية المستقبل

غالية الكجوان تكتب.. المرأة بين الصراع وإثبات الوجود!

306

إن الحالة الجدلية الأزلية بين الرجل والمرأة وأيهما الأكثر تأثيراً وحضوراً!، أدت إلى ‏إشراك المرأة في الصراع الطبقي والقومي والتحرري الذي نسميه بالصراع العنيد من ‏أجل بناء نموذج المرأة الحرة, أو إحياء الجوهر الحقيقي للحياة الحرة، وبهذه المقارنة ‏العميقة نستطيع استنتاج الكثير من المعاني السامية حولها، حيث تعيش المرأة في ‏المجتمعات الشرقية أوضاعاً متفاوتة, بين الحصول على شيء من الحقوق وبين ‏هدرها جميعها، ومع تصاعد حالة الاستبداد السياسي للدولة القومية في المحيط ‏الإقليمي تصاعدت درجة استبداد الرجل الشرقي، الذي يعَّد المرأة كأول المتضررين ‏وآخرهم، وهنا تبقى المرأة تدور في فكرة النهوض في الشرق الأوسط.


علماً لم تأتي هذه الوضعية من فراغ, وإنما كانت نتاج نضال وسعي كبير ومعارك ‏وحروب ضارية لتُثبت المرأة نضالها ضد الاستبداد والدكتاتورية ومقاومة القمع أو ‏الاضطهاد أياً كان نوعه وشكله، سلطوياً أم اجتماعياً أم سياسياً, حيث أثبتت لنا ‏الثورات التحررية الوطنية التي شهدها القرنان التاسع عشر والعشرون, أن أيَّة فلسفة ‏أو تيار أو ثورة لا تقوم بمعالجة قضية المرأة بصورة جذرية وحتمية، فإنها في نهاية ‏المطاف محكوم عليها بالفشل أو الانهيار أو بالانحراف عن أهدافها النبيلة والسامية.

فهنا ملف وباء العنف الممنهج ضد المرأة يحتاج إلى قراءة صحيحة لجذور التاريخ, ‏ولمعالجة حاسمة وسريعة تشريعياً وثقافياً وقانونياً ًوتعليمياً من أجل الانتقال إلى ‏مجتمع ديمقراطي سليم, فالعنف مشكلة لاتتصل بانتمائنا أو عقائدنا أو ديننا أو ‏وجودنا, بل تتصل بالمعنى والمبنى عليه الأساس.. مثلاً لايمكن أن نتوقع من رجلاً ‏مناصراً للديمقراطية وحقوق الإنسان وقيم المساواة والعدالة والحرية.. أن يعنِّف امرأة ‏نفسياً وفكرياً وحتى جسدياً, ولكن يفعل كل ذلك بل أكثر.. لأنه حقيقة لا يؤمن, ولا ‏يعترف بدور المرأة وحريتها.

فهنا تكمن المشكلة الحقيقية بالذهنية الذكورية السائدة, والقائمة على استعباد وانتهاك ‏وسلب المرأة حقوقها، وبهذا الشكل يبدأ العنف الممارس بحق المرأة, ويساهم فيه كامل ‏المجتمع وبكل أفراده وفئاته, دون أي إدانة أو استنكار, بل ربما تكون الإدانة إن ‏وجدت, فهي للضحية “المرأة”, من جهة ومن جهة أخرى لأن المجتمع لايسمح لها ‏عبر قوانينه وإسقاطاته الظلامية أو عبر العادات والتقاليد والأعراف الغير عادلة ‏والأمراض المجتمعية… والتي تعطي للعنف المسيء بكل أشكال والممارس بحق ‏المرأة المبرر, ليستمد شرعنته من الأنظمة القوموية النابعة من العقلية والمفاهيم ‏الذكورية, والتي تسعى وتعمل منذ العصر السومري للتحكم والسيطرة على الأنثى من ‏لحظة ولادتها حتى موتها, وبهذا يعود التكوين الذهني والوجداني لكل من المرأة ‏والرجل إلى الإرث التاريخي والثقافي والاجتماعي والتعليمي الذي يساهم في تكوين ‏الصورة النمطية والجنسوية للرجل والمرأة بشكل خاص, بحيث يحصرها في إطار ‏تقليدي من الوظائف والأدوار والمكانة الاجتماعية في الحياة العامة, فلذلك يبدأ البناء ‏الاجتماعي بالتراكم العديد من الضغوطات والعوائق الناتجة عن أحداث وعوامل الحياة ‏اليومية والدافعة إلى العنف المباشر، فيتحول العنف من نتيجة إلى سبب, فيولد يومياً ‏مزيداً من العنف والشراسة التي تخلق زاوية مفرغة تتكاثر فيها السلوكيات والأساليب ‏العنيفة, إلى أن تتحول إلى أسلوب الحياة بين الرجل والمرأة.

فعند كل مشكلة أو أزمة أو نكبة اجتماعية أو سياسية وحتى اقتصادية نرى دائماً بأن ‏الضحية الأولى والخاسرة الأكبر هي المرأة بدون شك, يعود هذا كله للمعايير ‏الاجتماعية السلبية التي أدت إلى عدم المساواة بين الرجل والمرأة، وأيضاً لقبول ‏المفاهيم الذكورية المرتبطة بهيمنة الرجال ومنحهم حق السيطرة وأساليب العنف الذي ‏يستهدف المرأة, سواءً إن كان من الناحية الجسدية أو النفسية والعقلية والعاطفية, ‏باستخدام كل وسائل وأدوات القهر والظلم والاستغلال من الألفاظ والكلمات ‏وبالصرخة الواحدة يستطيع أن يسيطر على كل الأجواء الموجودة ليصل إلى حد القتل ‏والاغتصاب مروراً بالضرب والإهانة، وبالتالي تحبس بين أربعة جدران كأسيرة لا ‏يحق لها إبراز هويتها الأنثوية المستقلة.

فلذلك إن نضال المرأة في ظل تسارع الأحداث, والظروف المعقدة والأليمة التي ‏عاشتها كانت من أجل تحرير ذاتها ومجتمعها, بحيث لايمكن أن تتحقق حرية المجتمع ‏مالم تتحقق حرية المرأة، ومن أجل تحقيق ذلك كله لابد على المرأة أن توحد صفوفها ‏وطاقاتها وجهودها أكثر وتنزع القيود التي تكبل حريتها, وتمنعها من السير قُدما ‏لتحقيق أحلامها, وطموحاتها في الحياة الحرة, وتكون صانعة للسلام والعدالة التي ‏تناضل وتكافح لتحقيقها خطوة بخطوة, من خلال المبادئ الأخلاقية, ورؤية مجلس ‏المرأة في حزب سوريا المستقبل الذي يعد إنجازاً عظيماً في مسيرة تاريخ حرية ‏المرأة، وكما له دورا ًبارزاً في تخفيف معاناة وحالات العنف التي تتعرض لها المرأة, ‏واتخاذه من قدسية الدفاع عن النفس والتوعية الفكرية والحياة التشاركية بين الجنسين ‏أساساً ًفي نضاله, ليزيد من إيمان وعزيمة المرأة بذاتها وبأهدافها, ولإبراز الهوية ‏النسائية المتعددة الثقافات.

إلى جانب ذلك لاننسى الدور القذر الذي لعبته الحركات الإرهابية المظللة باسم الدين، ‏والجرائم البشعة التي ارتكبتها بحق الشعوب, وخاصة بحق النساء اللواتي خرجن من ‏عباءات التقاليد البالية, والأعراف الزاجرة والقامعة لتحقيق وجودها الحر الفاعل ‏والمتفاعل ليس فقط على مستوى المساهمة في الإنتاج والحياة الاجتماعية, بل في ‏كافة الميادين دفاعاً عن أسرتها وأمن عائلتها ومجتمعها جنباً إلى جنب الرجل، وفي ‏الوقت ذاته على المرأة أن تحافظ على إرثها التاريخي العريق المتجذر بالأرض ‏والوطن منذ آلاف السنين لتكون الشخصية الطليعية والرائدة في صنع الحياة من ‏الموت, وتكون على قدر المسؤولية والوعي، وتتمثل هذه المسؤولية بإعداد جيل واعٍ ‏قادر على إيجاد مساحة للتعبير عن ذاته، ويؤمن بحق المرأة قبل الرجل وبالحرية ‏والمشاركة الفاعلة في الحياة، ومن هذا المنطلق لتتحد جميع النساء, ولتتوحد جميع ‏الثقافات والمعتقدات والألوان والأصوات لتصل إلى حالة الانتفاضة التي تعود إلى ‏حادثة اغتيال الأخوات ميرابال, اللواتي قدن كفاحاً فريداً, وقاتلن ضد الطغاة والفاشية ‏من أجل تحقيق الحرية الديمقراطية, حتى أصبحن أملاً لجميع نساء العالم.‏