حزب سورية المستقبل

الشهداء هم قادتنا المعنويون.. كلمة الرفيق جاهد حسن خلال الكونفرانس الثالث لمجلس عوائل الشهداء

187

(الشهداء قادتنا المعنويون): إنها جملة بسيطة قوامها ثلاث كلمات، قالها قائد حركتنا المفكر “عبدالله أوجلان”، لكنه وكعادته ببساطة حدد لنا البوصلة والمعيار الذي يجب أن نعيش عليه ونقيم به علاقاتنا, ونحدد من خلالها طبيعة عملنا، هي جملة تشكل الحد الفاصل كنصل السيف بين من يدعي قيادة الشعب ومن يفعل ذلك من خلال سلوكه وممارسته وفعله في الواقع وعلى الأرض، فالقيادة وفق المفهوم الذي حدده لنا القائد عبدالله أوجلان، ليست امتيازاً نميِّز به أنفسنا عمَّن سوانا، وليست رتبة من النجوم والنسور نضعها على أكتافنا، بل هي وفق هذا المعيار نكران للذات وتضحية حتى أقصى درجاتها، فداء لايدانيه فداء في بذل الروح بلا تردد، وتحمل للمسؤولية حتى حدودها القصوى، فمن كان الشهداء قادته لن يقبل على نفسه أن يعيش مشاعر الحزن، أو اليأس أو التردد، ذلك أن الشهيد منارة تنير الدرب كما النجوم الهادية لكل من أضَّل طريقه.

إنَّ القائد الذي وصف حزبنا بأنه حزب الشهداء, أدرك أهمية دور الشهيد في تحقيق تطلعات الشعب, والسير في مقدمة الجموع الثائرة لتقديم القدوة و المثل الأعلى، وإحداث الانعطافة الكبرى في مسار التاريخ، وكسر جدران الخوف و الوهم، وهتك ستار الجهل الذي تحاول أنظمة السلطة الديكتاتورية أن تبقي الشعوب في ظلامها للتخبط في الجهل والخوف والتردد، ولذلك فإن القائد أكَّد بأن (كل ما نعيشه هو أثر من آثار الشهداء)، ذلك أنه لولا شجاعة رفاقنا ورفيقاتنا الأبطال لما وصلنا إلى ما نحن عليه، ولما تحققت هذه الإنجازات.

(نحن لا نخاف من سكب الدماء، بل نخاف من توقف الدماء، لأننا نسكبها على درب الحرية)، والحرية بوصفها الجوهر الأثمن ومقياس إنسانية الإنسان، والتي لوحدها دون غيرها تستحق أن يدفع الإنسان حياته ثمناً لها هي الهدف الأسمى والأقدس الذي ناضل في سبيلها كل الثوار, والقادة في العالم وعبر كل تاريخ البشرية, ولولا أنها تشكل معيار إنسانية الإنسان لما استحقت أن تنهض وتنتفض الشعوب متحديةً كل المخاطر والأهوال في سبيلها.

في هذه الظروف الصعبة والمعقدة التي تمر بها بلادنا, ومكونات شعبنا،مقياس قربنا أو بعدنا من الشهداء هو سيرنا على دربهم لتحقيق أحلامهم، وأهدافهم التي استشهدوا من أجلها، ففي هذه الحرب القذرة المفروضة على الشعب السوري بكل مكوناته، نال السوريون ما نالوه من ظلم، وقتل، وتشريد، وتهجير، واستُتبع ذلك بسياسة التغيير الديمغرافي في معظم المناطق السورية، على خلفية الانتماءات الاثنية والعرقية، وتحكم الحقد الطائفي الأعمى بكل أفرقاء سوريا من أمراء حربها، سواءً كانوا من الموالاة أو من المعارضة، و معيار فخرنا، هو التزامنا الأخلاقي بنهج و فكر القائد أوجلان في التعالي والتسامي عن الأطروحات العرقية والمذهبية الضيقة واتخاذنا لنهج الأمة الديمقراطية عنواناً لطبيعة نضالنا، من أجل حماية كل مكونات شمال وشرق سوريا من محرقة الفتنة العرقية والمذهبية، ولأننا كنا أولئك (مؤمنون الذين جاءهم يوم كانوا قابضون على إيمانهم كالقابض على جمرة من نار), فتح تجار الحروب وأرباب المشاريع المشبوهة فوهات الجحيم علينا من كل حدب و صوب، بدءاً من النظام السوري، مروراً بفصائل من أطلقوا على أنفسهم الجيش الحر زوراً وبهتاناً، وصولاً لجبهة النصرة و تنظيم داعش الإرهابي، وأخيراً الدولة التركية بكل ملحقاتها.

يقول القائد عبدالله أوجلان (اعتدت أن أكون شخصاً لا يدوس حتى على نملة، لكن هذه حرب من أجل الشرف والدفاع عن النفس، لقد أجبرتني سياسة الإقصاء على الدفاع وأصبحت مدافعاً جيداً عن قضيتي)، وعليه فإنه من الطبيعي أن يجنح الإنسان السوي للسلم ولايميل للحرب، ذلك أن الحرب لاتخلف سوى حرقة القلوب والأكباد، لكن الحرب تصبح مشروعة وحقاً عندما تكون دفاعا عن النفس والشرف والكرامة وحينها يجب على الإنسان أن يكون مستعداً بكل طاقاته للدفاع عن النفس والشرف, وأن لا يتردد بالتضحية بكل غالٍ ونفيس لحماية شعبه ووطنه، وهذا ما فعله الشهداء.

ولأن العدو يدرك بأن النقطة المفصلية والجوهرية في أسباب هزيمته هم الشهداء؛ نرى استهداف تركيا لأضرحة ومزارات الشهداء وتجريف مقابر الشهداء الذي يعبر عن أعلى درجات الحقد والانتقام، فتركيا ومرتزقتها الذين عجزوا عن فرض الاستسلام على قواتنا ينتقمون من رفاة رفاقنا الشهداء, ليقينهم بأن هؤلاء الشهداء هم الذين يقودون نضالنا وكفاحنا حتى وإن غادروا هذه الحياة.

هذا الغزو الهمجي الذي استهدفنا، ضحى لصده رفاقنا الشهداء بأرواحهم ليحموا قيم وأخلاق الأمة الديمقراطية, من خلال إيمانهم بالعيش المشترك لشعوب ومكونات شمال وشرق سوريا، هذا الغزو الذي كان سببه الأساسي هو الحقد الأعمى لكل أطراف الصراع على الإدارة الذاتية الديمقراطية وقواتها قوات سوريا الديمقراطية، ذلك أن هذه الإدارة فوتت عليهم فرصة الاستثمار والفتنة, وجمعت كل أبناء الشمال في خندق واحد للدفاع على قراهم ومدنهم، للدفاع عن حوانيتهم وبيادرهم للدفاع عن أحلام أطفالهم وإنقاذهم من الفكر الظلامي، كل هذا ما كان له أن يكون لولا تضحيات الشهداء.

إن الصعوبات و التحديات التي تواجهنا هي جزء لا يتجزأ من الحرب المفروضة علينا، فالعدو الذي فشل في كسر وتحطيم إرادتنا بفضل رفاقنا ورفيقاتنا الشهداء والشهيدات، لن يتوانى لحظة واحدة في التضييق علينا وفرض الحصار والتجويع على شعبنا, وتنفيذ مختلف المؤامرات لكسر إرادتنا وفرض الاستسلام علينا، لكننا ولأننا أهل وذوي هؤلاء الشهداء، لأننا تلاميذ الشهداء وهم قادتنا، فإننا سنتحلى بالصبر والإرادة والعزيمة التي لا تلين لنتجاوز جميعاً ومع بعضنا، يداً بيد تلك الصعوبات والتحديات ولنلحق الهزيمة بعدونا ونحقق الحرية والكرامة والعيش الرغيد لشعبنا, ولنصل معاً إلى حل سياسي يحقق الكرامة لكل أبناء سوريا.

إن التغلب على الصعوبات والتحديات، يحتاج إلى وعي عميق لجذور الأزمة في سوريا، وإرادة ثورية قادرة على المبادرة وممارسة الفعل الثوري لرفع الراية, والسير قدماً على دروب النضال و التحرر، والابتعاد عن روح اليأس والحزن, والتمسك بالقشور على حساب المبادئ السامية التي استشهد من أجلها رفاقنا، فدوائر الحرب الخاصة التي هي العقل المدبر لكل أنواع الحرب الدموية ستفعل كل شيء من أجل إشغال عوائل الشهداء وذويهم عن السير على دروب أبنائهم، وستحاول دائماً نشر وبث مشاعر الإحباط والحزن بين صفوف الشعب، إلا أن وعي المرحلة التاريخية، وفهم الجوهر الحقيقي الشهادة سيكون الرد الحاسم على كل عوامل الحرب الخاصة المفروضة علينا.

يجب ألَّا نغفل شكل آخر من أشكال الحرب الخاصة التي تمارس على شعبنا، والمتمثلة بهجرة الشباب وإيهامهم أن الهجرة هي أفضل طريق للخلاص الفردي، وبغض النظر عما تحمله محاولات الخلاص الفردي من روح أنانية، وهروب من المسؤولية، وجحود بحق الأسرة على الفرد، فإن أكذوبة الخلاص في الهجرة هي جوهر النظام الرأسمالي الذي يحاول سرقة طاقات شبابنا وإفراغ الوطن منهم لإشباع العجز في قواه الخائرة, وإطعام أعمار هؤلاء الشباب لآلات مصانعه ومعامله مقابل فتات العيش والشعور الزائف بالرفاهية.

إن الهجرة كانت وما زالت عبارة عن نزف يصاب به وطن من الأوطان، شعب من الشعوب فيشلُّ قدراته، ويضع حاضره على حافة الهاوية، ويهدد مستقبله، وبما أنَّ الجهات المعادية للإدارة الذاتية بمختلف مسمياتها سالفة الذكر لم تستطع إلحاق الهزيمة العسكرية بقواتنا بفضل تضحيات الشهداء، وعجزت عن كسر إرادتنا بالحصار وسياسة التجويع، ولم تنجح بإشعال فتيل الفتنة العرقية من خلال استخدام المرتزقة ضد قواتنا, وتسويقها بأنها حرب ببين الكرد والعرب، لذلك انتقلوا إلى هذه الطريقة القذرة من خلال بناء شبكات وتأسيس عصابات تهريب منظمة وبدئوا بحملة من الإشاعات والتشويق لترغيب الشباب بالهجرة إلى ما يسمى جنة الغرب، وبالفعل فإن هذه المافيات المتورطة في الإتجار بالبشر تحصل على تسهيلات من أنظمة إقليمية لكي تعبر بالشباب من الحدود الإقليمية, ومن ثم القذف بهم إمَّا في أعالي البحار فيكونون عرضةً للغرق أو للرمي بهم في عمق الغابات ليكونوا فريسة سهلة لعصابات القتل و الإجرام، أو عرضةً للموت جوعاً وعطشاً، والمحظوظ منهم من يصل إلى مبتغاه لكن بعد أن يكون قد كلَّف أهله وذويه مبالغ طائلة كان بإمكانه استثمارها هنا وتحقيق العيش الكريم, فيما لو امتلك الوعي اللازم لما يخطط من مؤامرات تتعلق بالشباب, وما يتم من استهداف ذوي الشهداء بالتحديد.

رغم كل الظروف الصعبة والمعقدة وانسداد أفق الحل السياسي نتيجة تعنت النظام وارتهان قوى المعارضة للإرادة التركية والتي تستخدمهم كمرتزقة لتحقيق أطماعها التوسعية، إلَّا أنه واجب علينا جميعاً أن نتسلح بالقوة الكافية للإيمان بالوطن والشعب والانتماء إلى تضحيات الشهداء، ورد الدين لهم بالتمسك بالوطن وبالبقاء فيه والدفاع عنه أمام كل الأطماع، سواءً أطماع النظام السلطوي الديكتاتوري أو أطماع تركيا التوسعية التي لم يهمها في أي يوم من الأيام آلام ومآسي الشعب السوري إلا بقدر ما يحقق لها تلك الأطماع.

لا يخفى على أحد ما تحاول تركيا من تحقيقه بالتوسع في شمال سوريا والسيطرة على مقدرات السوريين ووضعها في خدمة الأجندة التوسعية، وما حملات الغزو التركي لاحتلال مدن الشمال السوري بدءاً من إدلب مروراً بعفرين والباب وإعزاز وجرابلس، وصولاً لتل أبيض وسري كانيه، إلَّا خطوات في إطار رغبة تركيا في إعادة أمجادها الغابرة على حساب دم الشعب السوري، وما عمليات التغيير الديمغرافي والثقافي في تلك المناطق إلَّا تأكيد على تلك الأطماع.

إن من يعمل على حماية الشعب السوري لايستخدم المهجرين الهاربين من الحرب كورقة ابتزاز ضد العالم، ولا يهدد العالم بفتح أبواب الهجرة للسوريين إن لم يرضخ العالم للرغبات التركية، ومعلوم مدى الإهانة التي تلحق بالشعب السوري من هذه المقاربات التركية التي تستخدم المدنيين السوريين كورقة ابتزاز في قضايا الهجرة.

كذلك فإن لم تكن لتركيا أطماع استعمارية، فلماذا تفرض اللغة والمنهاج التركي في مدارس المدن المحتلة، لماذا تلحق تلك المدن الحدودية بالولايات التركية، لماذا تربط المؤسسات الخدمية والبلدية في تلك المدن بالمؤسسات الخدمية والبلدية التركية، عدا عن ذلك، وفي سابقةٍ خطيرة من نوعها، لماذا تقوم تركيا بإجبار المهجرين بالعودة إلى مدن وقرى ليست مدنهم و قراهم؟ أليس ذلك مشروع لفتنة طويلة الأجل من شأنها أن تبقي الجرح السوري نازفاً لعشرات السنوات؟؟.

إن كل ما تقدم ذكره جزء من سياسة ممنهجة جرى التخطيط لها على أعلى المستويات لفرض الأجندة التركية وتحويلها إلى أمر واقع في سوريا ولا يضير تركيا إن كان حطب هذه النيران من الحقد والحرب والقتال هم الشعب السوري بكل مكوناته، المهم لديها تحقيق أهدافها والسيطرة والتوسع على حساب السوريين وبيد بعض المرتزقة السوريين.

كلنا نتذكر بداية الأزمة، وللأمانة التاريخية، هي لم تكن أزمة معيشية، بقدر ما كانت أزمة سياسية متعلقة بالحريات العامة والكرامة، لذلك أطلق عليها السوريون في البداية بثورة الحرية و الكرامة، لأن الحراك المطلبي السوري كان حراكاً مطلبياً سياسياً ولم يكن حراكاً مطلبياً معيشياً أو خدمياً، وكلنا نتذكر سياسة تركيا تجاه سوريا وتجاه الحراك السوري.

في البداية تبادلت تركيا الزيارات المكوكية مع دمشق عبر شخص وزير خارجيتها آنذاك؛ لإقناع نظام دمشق بالتشارك السلطوي مع الإخوان المسلمين, مقابل أن يتحالف الإخوان مع البعث للقضاء على الحراك وتصوير الأمر كأنه تحقق مطلب الحراك، لكن ونتيجة رفض النظام للمطالب التركية جمعت تركيا حولها مجموعة من الشخصيات, وبالإضافة لتنظيم الإخوان المسلمين, وراحت ترسم الخطوط الحمر للنظام, تلك الخطوط التي سقطت الواحدة تلو الأخرى, و كأنه اتفاق ضمني بين النظام و بين أردوغان لارتكاب المجازر بحق السوريين, مدينة تلو الأخرى وخطاً أحمراً تلو الخط، و كانت النتيجة أن دمرت معظم المدن السورية وتهجر ملايين السورين داخلياً وخارجياً، وتحولت الحرب إلى حجر رحى تطحن عظام الفقراء من أبناء سوريا فيما لجأ من أسموا أنفسهم قادة المعارضة مع عوائلهم إلى عواصم دول الجوار تاركين (الشقى لمن بقى).

فيما بعد ومع دخول روسيا على خط أزمة الحرب عبر قواتها العسكرية بدأ مسلسل الصفقات القذرة التي لم يدفع ثمنها سوى السوريين، حيث بدأ مسلسل تسليم المدن للنظام برعاية تركيا ونقل من يرفض المصالحة بالحافلات الخضراء إلى مدينة إدلب والقرى الحدودية للعيش في مخيمات تفتقد لأبسط مقومات الحياة, ولإجبار شباب تلك العوائل على الانخراط في صفوف الفصائل المرتزقة, ولترسلهم فيما بعد تركيا إلى كل حروبها وغزواتها الخاصة بها، وكأن الشعب السوري عندما انتفض ضد النظام انتفض لكي يفقد كرامته ويتحول إلى مرتزق يقاتل بالأجرة من أجل مصالح تركيا.

الآن وبعد اثنا عشر عاماً من المقتلة في سوريا، عاد رئيس النظام التركي إلى نقطة الصفر ليتحدث عن مصالحة مع النظام وعادت المياه إلى مجاريها, ليضغط على المعارضة للمصالحة مع النظام.

إن الطرح التركي الذي يندرج في إطار السياسات التركية الاستراتيجية والتي تستفيد من المرتزقة حتى أقصى الحدود, ومن ثم ترميهم عندما تنتهي حاجتها بهم, يؤكِّد مرةً أخرى صحة طروحاتنا التي قدمنها في بداية الأزمة السورية, وصحة تحليلاتنا عن الدور المتوقع من تركيا في حينه, ولكن مع الأسف لم نلقى آذاناً صاغية حينها لا من النظام ولا من المعارضة, ولذلك بالذات اخترنا الخط الثالث كنهج عمل سياسي مختلف في مساره عن كلا الفريقين, ولذلك بالذات تعرضنا لكل هذا الهجوم من كلا الطرفين.

مع كل هذا الذي حدث وحصل، ومع كل هذه الآلام والمواجع، كنا نعتقد ومازلنا، أن الحل السياسي هو السبيل الصحيح لحل المشكلة في سوريا، الحل السياسي الذي يعترف بالأزمة أولاً، يجلس فيه جميع السوريين على طاولة واحدة لبحث مشاكلهم وقضاياهم, والبحث عن حل لها يحقق السلام والاستقرار والكرامة والحرية لهم جميعاً.

وعلى ذلك وبناءً على كل ما تقدم فإننا بقدر حزننا على فقداننا لرفاقنا الأبطال، نحن فخورون بهم وبتضحياتهم، فخورون بأنفسنا بأننا تلاميذ هؤلاء الأبطال العظام والبطلات العظيمات.

المجد و الخلود للشهداء