حزب سورية المستقبل

جنكيز أكتار يكتب: روج آفا.. في هيكلية المشروع وامتداداته

115

الأفراد الذين ينتمون إلى الشعوب المضطهدة والمستحقرة والمنبوذة يسعون دائمًا وفي كل مكان إلى أن يكونوا الأكثر نجاحًا؛ فيهتمون بالتعليم، وغالبًا ما يكونون ناجحين. الهنود في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية والفلسطينيون المنتشرون في جميع أنحاء العالم هم الأكثر شهرة في هذا. هناك جدلية مماثلة حول التأثير-ورد الفعل- بالنسبة للأكراد في كلٍّ من تركيا وسوريا باتت تُرى بشكل أوضح شيئًا فشيئًا.

دعونا ننظر إلى أكراد تركيا. ليس من قبيل الصدفة أن الشباب يفضلون التعليم القانوني ويصبحون حقوقيين وقانونيين جيدين تصديًا لمظاهر عدم المساواة والظلم التي يتعرضون لها. لنأخذ مثالًا على ذلك أيضًا صلاح الدين دميرطاش أحد السياسيين الأكراد الأكثر قيمة. ناهيكم عن تعدد المهارات التي يجيدها؛ فهو على الرغم من الضغط الهائل الذي يتعرض له اليوم، إلا أنه يتحدث بعزيمة من السجن.

حسنٌ؛ فهل يوجد في البلاد سياسي تركي بمستوى دميرطاش؟ اسألوا ضمائركم: لا يوجد!

إن مكانة دميرطاش لا تنبع من اعتباره ممثلًا للشعب الذي ينتمي إليه فحسب، إن لديه فلسفة وموقفًا يمكن أن يفيد البلد بأسره. هناك كردي آخر: إنه تورغوت أوزال. كان متماثلًا، كان متداخلًا مع الدولة، كان متدينًا، وقادمًا من اليمين. لقد فعل الكثير من الأعمال الخالدة، بغثها وثمينها. أود أن أُذكِّر هنا باثنين منها: كان ممهد الطريق للاتحاد الجمركي الذي لا يزال قائمًا، كما أحيا عضوية الاتحاد الأوروبي من خلال حق اللجوء الشخصي إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

ولننظر إلى الأكراد السوريين: الأكراد السوريون والأكراد الأتراك هم أقارب فُصلوا عن بعضهم بواسطة حدود مصطنعة رسمتها سكك حديد بغداد. وعلى حين كانت الحدود مغلقة في الماضي كانت تفتح بشكل استثنائي في الأعياد.

في سوريا، ملأ الأكراد –بمهارة-الفجوة التي أوجدها تمركز نظام الأسد الاضطراري في غرب سوريا، فأنشأوا حكومة محلية مستقلة لا مثيل لها في الشرق الأوسط، وهو مشروع رائد فريد من نوعه.

تحت اسم الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا (KDSÖY)، تم تطبيق نظام “الحكم الذاتي الديمقراطي” الذي طوره عبد الله أوجلان بعد أن انتقد الاتجاه الماركسي المتشدد أولًا، مستوحيا إياه من نظرية المفكر الأميركي موري بوكتشين. مراسلات أوجلان وبوكتشين موجودة، وكان التصريح الذي أدلت به الحركة الكردية عندما مات بوكتشين هكذا:

“عرَّفنا بفكرة البيئة الاجتماعية ولهذا سنتذكره بامتنان وعرفان دائمٍ. نحن ملتزمون بأن نُحييَ بوكتشين في كفاحنا. سنضع كلمتنا موضع التنفيذ كأول مجتمع يقوم بتأسيس كونفدرالية ديمقراطية ملموسة”.

إن الأكراد لا يقاتلون بالضرورة، كما يعتقد معظم الأتراك، بل يخلقون وحدة اجتماعية جديدة من لا شيء؛ بقليلها وكثيرها.

يدافع موري بوكتشين عن الديمقراطية المباشرة والبيئية الراديكالية القائمة على تمثيل مجتمع، أو مجتمعات أقلية أو أغلبية مختلفة تمثيلًا يقوم على أساس المساواة القاطعة بين الجنسين.

تشكلت هذه النظرية، في 21 يناير 2014، في منطقة شمال وشرق سورية بدءًا من الغرب، والتي تتكون من مقاطعة عفرين التابعة لمحافظة حلب السورية، ومقاطعة كوباني التابعة لمحافظة الرقة ومقاطعة الجزيرة التابعة لمحافظة الحسكة.

وتشمل مجالس المدن وبرلمانات المقاطعات، والتي هي الهيئات التشريعية، العرب والأرمن والأزديين والأكراد والسريان والتركمان. يوجد في كل مقاطعة رئيس ورئيسة وزراء مشاركين، وفي كل بلدية رئيس ورئيسة بلدية مشاركين، ولكل حزب سياسي رئيس ورئيسة مشاركين. أكثر من 60 في المئة من موظفي الخدمة المدنية لا يمكن أن يكونوا من نفس الجنس. الإدارة تقع على رأس هذه الهياكل الحكومية. حاليا، الكردية إلهام أحمد والعربي منصور سلوم رئيسان مشاركان في الحكم. العربية والكردية هما اللغتان الرسميتان الأكثر استخدامًا في الحكم. السريانية-الآرامية والتركمانية سارية أيضا وفقا لكل منطقة.

من الجيد التأكيد على قضية اللغة هذه. فالأكراد متعددو اللغات اضطرارًا، مثلهم مثل الشعوب الأخرى الخاضعة لسيطرة غيرها. أما الشعوب السيادية فإنها أحادية اللغة، كما أنها تفتقر إلى القدرة على الاستفادة من النعم الذهنية لمعرفة أكثر من لغة. وهذا ينطبق على الأبجدية أيضًا. فمثلًا تستخدم ثلاث أبجديات مختلفة هي اللاتينية والعربية والآشورية-الآرامية بفضل اللغات المنتشرة في منطقة شمال وشرق سورية. وهذا يفتح الذهن!

وبطبيعة الحال، فإن تطبيق الحكم الذاتي الديمقراطي لم يكن بالأمر السهل الذي جاء دون عناء. فقد طُرد أحيانًا مسؤولو المجلس الوطني الكردي المنافس لحزب الاتحاد الديمقراطي، واعتقلوا أحيانًا. إلا أنه على الرغم من الحرب التي فرضتها أنقرة على الأكراد السوريين، هناك الكثير من العمل الذي يتم القيام به هناك.

على سبيل المثال، الجامعات. جامعة روجافا التي تضم العديد من الكليات في القامشلي، وجامعة عفرين التي أغلقتها قوات الاحتلال.

وكذلك أيضًا القرى البيئية التي تخضع بالكامل لإدارة النساء، أو وحدات الدفاع النسائية والتي تتمتع بأعلى درجات الكفاءة على الرغم من أنهن يقعن في مركز الاهتمام الرومانسي للغرب.

للحصول على مزيد من المعلومات، أوصي بمقال حديث في مجلة نيويورك ريفيو أوف بوكس ​​للكاتب بيتر و. غالبريث ومقالة ابنة بوكتشين الصادرة هذا الصيف. علاوة على ذلك يمكن تحميل النسخة التركية من الكتاب الذي نشر باللغات العربية والكردية والفارسية والبولندية والسويدية والإسبانية والإيطالية والروسية والسلوفانية واليونانية إلى جانب العربية والكردية في عام 2016 بعنوان “ثورة روجافا”. يجب أيضًا الرجوع إلى “العقد الاجتماعي في روجافا”، الذي درسته في دروس السياسة الإقليمية في الجامعة، والذي يشبه نصًا دستوريًا.

هذه التجربة هي ما لا تدري تركيا عنه شيئًا أصلًا، ولو افترض أنها تدري فإن عقلها لم يفطن إليه، ولا تستطيع معرفة ماذا ستفعل بخلاف تحقير الآخرين ومحاولة تدميرهم. إن هذا أكبر من حجمها بدرجة أو درجتين!

هذه حلول لا يمكن أن ترد حتى بخاطر السياسة الجافة في تركيا. ناهيكم عن أن تخطر ببالها؛ فإنها أشياء لا يستطيعون حتى تلفظها بسبب الخوف. أولاً وقبل كل شيء، تطبيق اللامركزية، وهو عكس المركزية التي يحملها النظام إلى أبعاد لم يسبق لها مثيل، الحلم الذي يُخشى منه بقدر ما يعني تقاسم السلطة. هنا يكمن الحسد والخوف.

في أنقرة، لم يفكر أحد في النظر إلى روجافا، المشروع الرائد اللامركزي في المنطقة، نظرة مختلفة، والأهم من ذلك أنَّ أحدًا لم يقف منه موقفًا سلميًا. فلما أصبح الأمر هكذا لم يبق إلا الكراهية والدمار.

وعلى الرغم من ذلك فإن تركيا عاجزة تمامًا عن أن تقدم أفقًا للتماسك الاجتماعي المستدام لأكراد تركيا اليوم وطبقات المجتمع الأخرى التي لا تزال غير راضية عن حالها. فإلى جانب مزاعم “التحويل الحضاري” للجمهورية التي تأسست عام 1923 فإنها تفرض بالقوة والعنف خيالًا اجتماعيًا أحاديًا على غير العادة. هذا الإجبار والقسر مستمر كما هو منذ قرن. وبفضل مهمة “التحويل الحضاري” الوقحة هذه ترسل أنقرة إلى الأراضي السورية التي تحتلها الآن مؤسساتها منتهية الصلاحية مثل هيئة البريد والبرق وبنك زراعت، والتشكيلات الأمنية.

لهذه الأسباب، فإن مردود محاولة إجبار الأكراد القضاء بالقوة والشدة على توقعات حدوث ديمقراطية وحرية سواء في تركيا أو في سوريا أمر قصير الأجل. فليس من الممكن أن يكتفي الأكراد على المدى الطويل -وهم أكثر الشرائح المجتمعية في تركيا مطالبة بالديمقراطية والحريات- بأيديولوجيات تركيا المحروقة ومؤسساتها التي عفا عليها الزمن.

وبعبارة أخرى، مهما يتم تعيين أوصياء على الحكومات المحلية في المحافظات الكردية في تركيا، ومهما تُقصف المقاطعات الكردية بالقنابل في سوريا، فإنه يستحيل أن تستمر إملاءات أنقرة على المدى الطويل.

عن صحيفة أحوال تركية

#حزب_سوريا_المستقبل
#مقالات
مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر كُتَّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.