حزب سورية المستقبل

ملامح الشرق الأوسط الجديد القادم

171

 

 

لا تزال تداعيات هجوم سبتمبر/أيلول على منشآت آرامكو النفطية السعودية مستمرة ويتردد صداها في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وسط محاولات للتغاضى عن العداوات القديمة – وأحياناً الجديدة- وإعادة هيكلة التحالفات التقليدية. وبينما يتصدر غزو تركيا الأخير لشمال سوريا العناوين الرئيسية، قد تكون القصة الأكبر هي أن اللاعبين الإقليميين الرئيسيين يفكرون في بعض المقاربات والموازنات التاريخية.

بعد سنوات من التنافس المرير، يفكر السعوديون والإيرانيون في الكيفية التي يمكنهم بها أن يخفوا ذلك العداء المتبادل، حيث إن مجلس التعاون الخليجي الذي كان قوياً سابقاً يذبل لأن السعودية تفقد سيطرتها، ويبدو أن هيمنة “واشنطن” السابقة على المنطقة في تراجع مستمر.

بعض تلك التطورات طويلة الأمد، ويرجع تاريخها إلى ما قبل صاروخ كروز وهجوم الطائرات بدون طيار الذي تسبب في تدمير 50% من إنتاج المملكة العربية السعودية من النفط، لكن الصدمة المزدوجة -اندفاع تركيا نحو سوريا وهجوم سبتمبر الصاروخي- تسرع هذه التغييرات.

في الفترة الماضية، توجه رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان إلى إيران ثم إلى المملكة العربية السعودية للضغط من أجل إحداث انفراجة بين “طهران” و”الرياض”، وتجنب أي احتمال للأعمال العدائية بين البلدين. وقال خان: “ما يجب ألا يحدث أبداً هو الحرب، لأن هذا لن يؤثر فقط على المنطقة بأكملها.. بل سيتسبب في فقر في العالم كله، وسترتفع أسعار النفط بقوة”.

وفقا لـ”خان”، اتفق الجانبان على التحدث، على الرغم من أن حرب اليمن تشكل حجر عثرة، ولكن هناك بعض بوادر الأمل على تلك الجبهة أيضا، حيث يبدو أن وقف إطلاق النار الجزئي مستمر، وهناك قناة محادثات خلفية غير علنية مستمرة بين الحوثيين والسعوديين.

في الواقع، كان من المفترض أن يستمر التدخل السعودي في الحرب الأهلية في اليمن لمدة ثلاثة أشهر، لكنه استمر لأكثر من أربع سنوات. وكانت دولة الإمارات العربية المتحدة تتولى مهمة تزويد القوات البرية والسعوديين بالقوة الجوية، لكن التحالف السعودي الإماراتي لم يحقق سوى تقدما ضئيلا ضد الحوثيين الذين تقاتلوا في المعارك، والذين عززتهم فرار الجيش اليمني النظامي.

عادة ما تكون الحروب الجوية التي لا تحظى بدعم من القوات البرية فاشلة على الدوام، كما أنها مكلفة للغاية. كذلك، فإن استنزاف الخزانة السعودية كان كبيرا، وثروة البلاد ليست عديمة القيمة.

يحاول ولي العهد محمد بن سلمان تحويل الاقتصاد السعودي من اعتماده المفرط على النفط، لكنه يحتاج إلى أموال خارجية للقيام بذلك، وهو أمر لم يحصل عليه بعد. كما أن الحرب اليمنية -التي تعتبر، حسب الأمم المتحدة، أسوأ كارثة إنسانية على هذا الكوكب- وتورط الأمير في قضية الصحفي السعودي جمال خاشقجي، قد أذهلت وأخافت العديد من المستثمرين.

بدون الاستثمار الخارجي، يتعين على السعوديين استخدام عائداتهم النفطية، لكن سعر البرميل الواحد أقل مما تحتاجه المملكة لتحقيق أهداف ميزانيتها، والطلب العالمي يتراجع. وبفعل الحرب التجارية مع مع الولايات المتحدة، أصبح الاقتصاد الصيني متباطئا في نموه كما أن النمو الأوروبي بطيء. هناك نفحة من الركود تلوح في الأفق، وهذه أخبار سيئة لمنتجي النفط.

“الرياض” تفقد أيضا حلفائها، حيث إن الإمارات تتفاوض مع الحوثيين وتسحب قواتها، والسبب في ذلك جزئياً أن أبوظبي لها أهداف مختلفة في اليمن عن السعودية، ولأنه في حال أي عراك مع إيران ولو بشكل بسيط، ستكون الإمارات العربية المتحدة صفرًا في المعادلة. الجنرالات الأمريكيون مغرمون بوصف الإمارات بأنها “سبرطة الصغيرة”، بسبب جيشها المدرب تدريباً جيداً، لكن القدرة التنفيذية لـ”أبوظبي” ضئيلة: يمكن لجيش الإمارات حشد 20 ألف جندي، وفي المقابل يمكن لإيران أن تحشد في ميدان المعركة أكثر من 800 ألف جندي.

الأهداف التي تسعى إليها المملكة العربية السعودية في اليمن هي دعم حكومة المنفى التي يتزعمها الرئيس عبدربه منصور هادي الذي يسيطر على حدودها الجنوبية ويتحدى دعم إيران للحوثيين. من ناحية أخرى، فإن دولة الإمارات العربية المتحدة أقل اهتمامًا بالحوثيين ولكنها تركز اهتمامًا كبيرًا على دعم المجلس الانتقالي الجنوبي المناهض لـ”هادي”، والذي يحاول إعادة إنشاء جنوب اليمن كدولة منفصلة، بعد أن كان الاندماج بين شمال وجنوب اليمن في عام 1990، إلى حد كبير نتيجة للضغط السعودي، ولم يكن تزاوجًا مريحًا على الإطلاق.

فقدت “الرياض” قبضتها على مجلس التعاون الخليجي، حيث تواصل عمان والكويت وقطر التجارة مع إيران على الرغم من الجهود التي يبذلها السعوديون لعزل “طهران”. وقد استضافت الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية مؤخرًا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي طالب بجامعة الدول العربية المؤلفة من 22 دولة بإعادة قبول سوريا. أعادت البحرين، العضو في مجلس التعاون الخليجي، علاقاتها الدبلوماسية مع “دمشق”. ويضغط “بوتين” من أجل مظلة أمنية متعددة الأطراف للشرق الأوسط، بما في ذلك الصين.

وقال مارك كاتز الباحث في شؤون الشرق الأوسط لصحيفة “ساوث آسيا جورنال”: “رغم أن روسيا حليف موثوق به، فإن الولايات المتحدة ليست كذلك”. وبينما لا يحب الكثيرون في المنطقة “الأسد” في سوريا، فإنهم “يحترمون فلاديمير بوتين بسبب تمسكه الدائم ومؤازته لحلفاء روسيا”.

أدانت جامعة الدول العربية -باستثناء قطر- الغزو التركي ودعت إلى سحب قوات “أنقرة”. تحظر المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة قطر حالياً لاتباعها سياسة خارجية مستقلة، كما أن قطر تدعم حصان آخر في الحرب الأهلية الليبية، وتعد تركيا هي الحليف الرئيسي لقطر.

إن اتفاق روسيا المؤلف من 10 نقاط مع تركيا بشأن سوريا قد توافق بشكل عام مع أعضاء جامعة الدول العربية، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى أن الأتراك وافقوا على احترام سيادة “دمشق” وسحب جميع القوات في نهاية المطاف. بالطبع، “في نهاية المطاف” كلمة خادعة، خاصة وأن أهداف تركيا ليست واضحة.

يريد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان طرد الكرد السوريين من الحدود التركية ونقل ملايين اللاجئين السوريين إلى قطاع من الأرض يبلغ طوله حوالي 19 ميلاً وعرضه 275 ميلاً. قد يغادر الكرد، لكن الجيشين الروسي والسوري -اللذان يملآن الفراغ الذي خلفه سحب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للقوات الأمريكية- يمنع الأتراك من السيطرة سوى على المنطقة الحدودية وجيب واحد في العمق، وهي منطقة بكل تأكيد ليست كبيرة بما يكفي لإيواء ملايين اللاجئين.

في الداخل التركي، يحظى غزو “أردوغان” بشعبية كبيرة في الداخل، حيث تلعب القومية بشكل جيد مع السكان الأتراك ومعظم الأتراك غير راضين عن وجود اللاجئين السوريين في تركيا، لكن إلى متى تظل القومية التركية هي الداعم الأول لتلك الحرب؟ الاقتصاد التركي في ورطة والغزوات التركية تكلف الكثير من المال. تستخدم “أنقرة” الوكلاء في معظم عملياتها القتالية، لكن بدون دعم تركي كبير، فإن هؤلاء الوكلاء لا يضاهون الكرد في بسالتهم وتفوقهم على أرض المعركة، ناهيك عن الجيش السوري والروسي.

هذا يعني بالأساس دعم القوة الجوية التركية، ولكن القوة الجوية التركية تواجه خطر مضادات الطائرات الروسية والسورية، ناهيك عن حقيقة أن الأمريكيين لا يزالوا يسيطرون على المجال الجوي. نشر الروس أحدث مقاتلاتهم من الجيل الخامس SU-57، وعدد من طائرات MiG-29 وSU-27، وهي مقاتلات لا يرغب الأتراك في الاشتباك معها بكل تأكيد. كما يمتلك الروس أيضًا نظامًا جديدًا مضادًا للطائرات من طراز S-400، والسوريون يمتلكون أحدث طراز من طراز S-300.

باختصار، قد تسوء الأمور حقًا إذا قررت تركيا دفع عملاءها أو جيشها إلى المناطق التي تسيطر عليها القوات الروسية أو السورية. هناك تقارير عن وقوع اشتباكات في شمال شرق سوريا وإصابات بين الكرد والجيش السوري، لكن أي محاولة جادة من جانب تركيا لطرد الروس والسوريين تبدو مشكوك في نتائجها وعواقبها على تركيا.

ومن غير المرجح أن يتحرك هدف نقل اللاجئين من تركيا إلى سوريا إلى أي مكان، حيث إن إقامة بنية تحتية ونقل مليوني لاجئ إلى سوريا سيكلف حوالي 53 مليار دولار، وهو مبلغ لا تملكه تركيا بكل تأكيد. وقد أوضح الاتحاد الأوروبي أنه لن يقدم نيكلا واحدا لتلك الفكرة، ولا يمكن للأمم المتحدة أن تتدخل لأن الغزو التركي يمثل انتهاكا مباشرا للقانون الدولي.

عندما تغرق تلك الحقائق تركيا وجيشها، قد يجد “أردوغان” أن القومية التركية لن تكون كافية لدعم مغامرته السورية إذا تحولت إلى احتلال.

قد يكون الشرق الأوسط الذي يخرج من الأزمة الحالية مختلفًا تمامًا عن الذي كان موجودًا قبل واقعة صاروخ كروز والطائرات بدون طيار على المنشآت النفطية السعودية. قد تنتهي حرب اليمن في نهاية المطاف، ويمكن لإيران -جزئياً على الأقل- الخروج من الحصار السياسي والاقتصادي الذي فرضته عليها المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة وإسرائيل. وبالتأكيد، سوف تنحسر الحرب الأهلية في سوريا. وسيصبح الأمريكيون، الذين كانوا يسيطرون على الشرق الأوسط منذ عام 1945، مجرد لاعب من بين العديد من اللاعبين الدوليين في المنطقة، إلى جانب الصين وروسيا والهند والاتحاد الأوروبي.

ترجمة : أمنية زهران

 

عن المركز الكردي للدراسات