حزب سورية المستقبل

المدونة السورية.. خارج السياسة وداخل المجتمع!

2٬132

 

 

تدعو “مدونة سلوك لعيش سوري مشترك” إلى إيجاد أرضية مشتركة بين مكونات الشعب السوري، عن طريق الاستفادة من تجارب دول أخرى، شهدت صراعات مماثلة لما تشهده سوريا، وعبر المقارنة بين ما تم إنتاجه دستورياً فيها، وبين الوثيقة الفوق دستورية التي أنتجتها المدونة، والموقعة من قادة دينيين ومجتمعيين سوريين.

تتبنى المدونة مجموعة من المبادئ، تحدد رؤيتها، وتعرّف نفسها بأنها وثيقة للتلاقي بين السوريين، رغبةً في تجاوز المعضلات الموروثة والمعاصرة، وصولاً إلى ناظم اجتماعي وسياسي للدولة السورية القادمة، وتأصيلاً لعقد اجتماعي جديد مبني على المواطنة.

في حوارنا مع إبراهيم شاهين، المتحدث باسم مجلس المدونة السورية، نثير الأسئلة التي تثار في الشارع السوري، حول معايير المدونة وشخصياتها ونشاطها. ونحاول معاً تقديم الصورة الحقيقية عنها.

نص الحوار:

– لماذا فضلت “مدونة سلوك لعيش سوري مشترك”، أن ينطلق عملها، بشكل سري وبعيد عن الإعلام؟

– لا أعلم لماذا يتم التركيز على هذا الجانب والتحدث عنه بصيغة تشويقية وكأننا نتحدث عن مهرجان إعلامي أو مباراة لكرة القدم، من الطبيعي أن يجتمع الشركاء في أي مشروع بدايةً وربما تطول هذه المدة أو تقصر، بالنسبة لمجلس المدونة السورية، وبسبب أهمية الموضوع فقد استغرق الأمر عدة جلسات وليس جلسة واحدة، إلى أن تم التوصل إلى نتيجة إيجابية خرج بها مشروع “مدونة سلوك لعيش سوري مشترك” إلى الناس عبرالإعلام، ليقول للناس نحن سوريون، ولدينا فكرة نود أن تشاركونا بها.

وأنا أسأل: قبل أن تنضج الفكرة- المشروع، وتتبلور رؤاها، وآليات تنفيذها، ونشرها بين السوريين، ماالدور الذي يمكن أن يلعبه الإعلام، سيّما أننا في بلد مضطرب وحياة شعبه

حافلة بالجديد “المهم والأقل أهمية حتى نصل إلى الخالي من المضمون” كل يوم؟

بالتأكيد للإعلام دور مهم، لكن إن كان المحتوى الذي سيقدمه للناس وللرأي العام مفيداً ومجدياً، ونحن قمنا منذ أكثر من سنة بالاستجابة لمتابعة الإعلام لنشاطنا، وذلك عندما شعرنا أننا نملك ما نقدمه للرأي العام السوري أولاً والعالمي ثانياً من خلال الميديا، غيرذلك كانت ستستهلكنا فكرة الظهور، وربما تشتت العمل الذي يجب أن يكون مركّزاً على النتائج.

-في الاجتماع الأخير لمجلس المدونة السورية الذي جرى في برلين، ظهر المجلس في الإعلام، بمشاركة مجموعة من الشخصيات السورية، باعتبارهم ممثلي المكونات الاجتماعية من داخل سوريا ومن خارجها. هل تم اختيارهم وفق معايير معينة؟

-لم يذكر أحد من المشاركين أو المهتمين بنشاط مجلس المدوّنة السوريّة، أن المشاركين يمثلون المكونات الإجتماعية السورية، الوصف الأكثر دقة هو أن المشاركين هم من كافة المكونات الاجتماعية السورية، فلا أحد يستطيع الادعاء الآن، أنه يمثل المكونات الاجتماعية السورية، لكن أستطيع أن أؤكد، أن هذه الشخصيات مهتمة عبر تاريخها الشخصي بالشأن العام ومشتغلة به، وأضيف أن معظمهم قد توقف عن الحضور العام منذ اندلاع العنف بشكل متسع على الأراضي السورية، فمعظمهم شارك في النشاط السلمي للثورة السورية ضد النظام الشمولي، لكن العنف أخمد كافة الأصوات الحكيمة والتي كانت مشاركة بضمير وإحساس وطني عالي، أما المعايير التي اعتمدت لدعوة الشخصيات المشاركة في المشروع، فبشكل فعلي لكل من الحاضرين حيثية وفضاء يمكن أن يؤثر فيه لينشر أفكار المدوّنة لتصل إلى أكبر عدد من السوريين، فهناك شيوخ عشائر و أساتذة جامعة و رجال أعمال وسياسيون ونواب سابقون ورجال دين ومثقفون وممثلون عن العائلات السورية التي بنت لنفسها تاريخاً عبر نشاطها السياسي ربما من قبل الاستقلال في القرن الماضي، والباب مفتوح لكل من يرغب في المساهمة بتطوير عمل المجلس .

-تعاني سوريا من نظام حكم “قاسي”، يراقب ويحاسب بشدة، نقول ذلك حتى لا نستخدم التوصيفات السياسية التي تقال عنه. في ظل نظام حكم كهذا، هل يمكن أن تشارك شخصيات من داخل سوريا بدون أن يكون له بصمته؟ ما مدى استقلالية ما يطرحونه؟

– هذا السؤال بما يحويه من إشارات إلى اصطفاف السوريين سياسياً (بالضرورة) إلى هذا الطرف أو ذاك من الأطراف المتحاربة سياسياً وعسكرياً، هو مدخل لا يمثل حقيقة جزءاً كبيراً من حال السوريين وموقعهم بالنسبة للصراع الدامي الذي تعيشه البلاد.

نعم لدينا أشخاص يأتون من كافة المناطق السورية، ومنها مناطق سيطرة النظام، لكن هؤلاء لا يأتون بصفة سياسية أو ممثلين للنظام، وكذلك نظراؤهم القادمون من مناطق المعارضة.

يميز العمل الذي نقوم به، أنه بالفعل عملاً مجتمعياً بامتياز، يتعامل مع الأوضاع بواقعية مرهفة. يو جد في المجلس أشخاص نالهم الضرر الكبير جرّاء سياسة النظام السوري والحل بالقوة، الذي حاول السيطرة من خلاله على الثورة التي قامت في سورية منذ 2011، وهؤلاء لن يقبلوا بأي حال من الأحوال، الجلوس على طاولة واحدة مع النظام أو من يمثله للوصول إلى حل يبدو سياسياً، فهم لا يملكون التفويض أولاً، ولديهم مظلومية بحاجة إلى معالجة ثانياً.

أريد الوصول إلى أن الشخصيات القادمة من الداخل، تملك ربما حرية الخيار بأمر واحد على الأقل، وهو أنها ترفض العنف الدائر أيا كان فاعله، وتعتبر كل شجرة في الأرض السورية ثروة يجب حمايتها،هذا يناسب تماما مشروع مجلس المدونة السورية، الذي يعمل على خلق شبكات للسلم الأهلي، تساهم في تعزيز التواصل بين السوريين كافة، وتترك الحل السياسي لحينه، والكلام الأكيد الذي يتفق عليه الجميع في المجلس، أننا كنّا وسنبقى سوريين، بغض النظر عن السلطة ومن يمسك بها.

ليس أمام السوريين وهذا استنتاج بعد العمل لأكثر من سنتين في هذا المشروع، ليس أمامهم سوى الارتكاز على العمل المدني المجتمعي المؤسَّس على أفكار دفعت ببلاد كثيرة للخروج من الأوضاع الصعبة إلى الكرامة والرفاه الإنسانيَين، وأقصد المواطنة وسيادة القانون.

-بين بداية عمل مجلس المدونة السورية، ونهاية آخر اجتماع لها. بين هذين التوقيتين، ماذا أنتج؟

-حصل الكثير بين الاجتماع الأول لمجلس المدونة السورية والاجتماع الأخير، فقد تم إنجاز ما تحاول مراكز وجهات كثيرة العمل عليه بما يخص سورية والسوريين، وأقصد مدونة المبادئ ما فوق أو ما قبل الدستورية، التي شخّصت بالأحرف الأولى مشاكل المجتمع السوري، ورسمت الطريق نحو معالجة الجراح العميقة التي أصابت الجسد السوري، وتم كذلك تشكيل مجموعة عمل سوريّة خالصة (وهذا لا بد من التأكيد عليه)، تعمل هذه المجموعة على الانتقال من حالة الصِدام المجتمعي بين المكونات السورية، إلى حالة من الإقرار والإعتراف بمسؤولية كل من ارتكب جرائم بحق السوريين، وإلى عدم تحميل الكيان السوري بتنوعه وانتشاره، المسؤولية عما حصل بطريقة عشوائية، تؤسس لصراعات لا تنتهي تعرّض سورية كبلد، والسوريين كديموغرافيا وشعب لخطر كبير يصل إلى حدود الزوال. نحن في النهاية لسنا منظمة إغاثة، ولا غير ذلك مما اعتاد السوريون على وجوده في يومياتهم في السنوات الأخيرة، نحن نعمل في القانون، لأننا نؤمن أن القانون العادل والمتطور هو المدخل الحقيقي لإعادة سورية إلى الحياة.

-تحدثت وسائل إعلام دولية وعربية ومحلية، عن الصراع داخل سوريا أنه صراع طائفي “علوي سني”. تماماً مثلما تحدثت عن المدونة باعتبارها تواصل طائفي “علوي سني”، لماذا المدونة، وهل ثمة “تواصل طائفي” بين شخصياتها؟

– ليس وسائل الإعلام فقط هي التي حاولت خلع اللبوس الطائفي على ما يسمى “الصراع داخل سورية”، كل الأطراف المستفيدة من العنف القائم في سورية، حاولت قلبه إلى صراع طائفي، ونعلم جميعاً أن السوريين نزلوا إلى الشوارع في آذار 2011 بعد أن ضاقوا ذرعاً بالمجتمع المُصادَر، وطالبوا بحقوقهم بالحريات السياسية والاجتماعية و بالعيش في دولة ديمقراطية تصون كرامتهم، لكن الدول المهتمة بما صار يعرف فيما بعد بالملف السوري، رأت أن الفرصة مواتية لصد الطوفان الشعبي الذي يمكن أن يصل إلى عواصمهم، وذلك من خلال العمل على تجيير تضحيات السوريين لمصالحها الخاصة. والنظام كذلك عمل على إفراغ الحراك الشعبي من مضمونه، وحاول تظهير الصراع كحرب على الإرهاب الإسلامي المتطرف الذي يهدد وجود الأقليات في سورية.

وبذلك فقد اتخذ الصراع في أحد جوانبه الطائفية كغطاء للعنف، لذلك لم يلحظ الكثير من الجهات والأشخاص، إعلاميون و غير إعلاميين، في لقاء شخصيات قادمة من مناطق سورية منقطعة عن بعضها بالمعنى (السياسي و الإداري والعسكري)، سوى أنه لقاء بين الأخوة الأعداء من الطوائف السورية المتناحرة، مع العلم أن أطراف الحوار السني – العلوي، “وأقولها متهكماً” فيهم أشخاص لا ينتمون إلى هاتين الطائفتين، وليسوا معنيين بهذا الحوار، وأؤكد أن الحوار هو بين سوريين غير مهتمين بالتوصيف الطائفي بل يتركز جهدهم، على إيجاد وسائل أقضل لاستمرار سورية و السوريين.

أما المدونة، فهي عمل يحمل معنى قانوني- بحثي، ورغم اللغط الذي دار حول قضية العيش المشترك، وهل يحتاج السوريون إلى هذا الأمر للتأكيد على تماسكهم؟

نحن نؤكد أن الحوار يتم لبحث القضايا الخلافية أو التي نظن أنها خلافية، والمجتمع السوري، ظهرت فيه حالات لم تكن موجودة قبل الحرب منها مشاكل إنسانية و اجتماعية وغيرها.

كل هذا بحاجة إلى مكاشفة شفافة بين السوريين، مكاشفة هدفها البحث في المشاكل لحلها وليس للتباري في إثبات المظلوميات. من هنا رأينا أن العقد الإجتماعي الذي لا بد أن يعمل السوريون على التوصل إليه في المرحلة القادمة، يحتاج إلى مبضع جرّاح لاستئصال المرض، وهذا المبضع هو العمل القانوني.

-تقف السياسة دائما خلف أي حدث في سوريا المأزومة. هل يتواصل مجلس المدونة السورية مع تيارات سياسية سورية؟

– حاول أكثر من تيار سياسي سواء تشكيلات حزبية أو غيرها المشاركة في عمل مجلس المدونة. انتبه المجلس أن السياسة ستغرق العمل القانوني – المجتمعي، في مستنقع التحزب والاصطفاف، لذلك لم تتم الاستجابة لأي من هذه الرغبات.

ولا أذيع سراً إذا قلت إن عمل المجلس مُتابع من قبل الكثير من الجهات. جهات سورية، “أحزاب وغيرها”، ودوائر ديبلوماسية غربية وعربية. وكذلك مكتب المبعوث الأممي لسورية السيد ديمستورا سابقاً وبيدرسون حالياً. وتم الكثير من اللقاءات معهم، والمجلس يرى أن حريته في العمل على المشروع، هي التي تميزه وتحميه من الدخول في متاهات تعب منها السوريون جميعاً.

-ما الخطوة القادمة لمجلس المدونة السورية؟

-مجلس المدونة السورية، هو كيان قانوني، يعمل على الوصول إلى نتيجة تساعد السوريين في صياغة العقد الاجتماعي، وبالتالي الدستور الذي يطمحون إليه في تأسيس دولتهم الجديدة. وهو يتجه إلى مأسسة هذا الجهد عبر كيان قانوني، له نظام وأصول للعمل فيه، محاولين الاستفادة من الحرية التي يتمتع بها من يقيم في أوروبا، ورغم أن الصعوبات كبيرة، بل كبيرة جداً وعلى كافة المستويات، إلا أننا نؤمن أن على كل سوري أن يؤدي الدور الذي يستطيع القيام به، ولدينا من الطاقة الإيجابية التي تدفعنا للاستمرار رغم التحديات، وذلك كي لا نخرج من التاريخ ونندم حين لا ينفع الندم.

حوار طالب إبراهيم