حزب سورية المستقبل

إبراهيم القفطان.. آن الأوان للأحزاب الديمقراطية أن تكون شريكاً على طاولة المفاوضات

421

كلمة المهندس إبراهيم القفطان رئيس حزب سوريا المستقبل في الملتقى الذي أقامه مركز روج آفا للدراسات حول الإبادة العرقية والتغيير الديمغرافي في شمال وشرق سوريا حيث قدم رؤية حزب سوريا المستقبل نحو حل استراتيجي للأزمة السورية.

آنَ الأوان أن تلعب الأحزاب السياسية الديمقراطية العلمانية، وهيئات المجتمع المدني السوري دوراً فاعلاً في إيجاد الحلول للأزمة السورية ، وأن تنتقل من لعب دور المُتعامِل للنتائج الكارثيَّة للأزمة، إلى دور اللاعب الفاعل في بناء الدولة الحديثة وأن تكون شريك أساسياً على طاولة الحلول والمفاوضات، وأن تتمثل بكل أطياف الشعب السوري ، خصوصاً بعد أن ثبتَ عجزُ الأطراف المتصارعة من كافة الجهات النظام كان، أم المعارضة المرهونة للخارج في تقديم برامج قابلةً للتنفيذ تنهي الأزمة وتحقّق إرادة السوريين .

إنّ الأحزاب السياسية التي لم تتلوث أيديها بالدماء في سورية ، تستطيع أن تلعب دوراً هاماً في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار خلال هذه الفترة وكذلك قبول الأحزاب السورية التي تستطيع أن تغير من أيدولوجياتها المبنية على أسس قومية رغم مرورها بمنعطفات كثيرة كحزب البعث، وغيره من الأحزاب المبنية على أسس قومية أن توسع دائرتها إلى الأسس الوطنية الضامنة لسوريا حرة قوية، وأن تتقاطع مع الأحزاب الأخرى، وعدم التفكير بالاجتثاث لها بل السعي إلى تصحيح مسارها ، وأن تقدم رؤية خاصّة لحلِّ الأزمة، وأن تكون أكثر قرباً من واقع المجتمع السوري بحكم فعالية هذه الأحزاب، والمجتمع المدني على أرض الواقع، وقدرتهم على فهم الجذور العميقة للأزمة، ورصد آثرها وانعكاساتها على المجتمع، ولا يتم ذلك إلا بفلسفة القبول والاعتراف بخصوصية كافة مكونات وأطياف الشعب السوري و أحزابه وقومياته ،

لقد أدى تطور مسار العنف إلى إبعاد تركيز الإعلام، وصناع القرار عن تطور الأحزاب الديمقراطية، والمجتمع المدني في سوريا في ظل الانفتاح النسبي للفضاء العام، لكن أي حل سيكون منقوصاً بدون مشاركة كافة الأطراف الفاعلة لن يكون حلاً كاملاً .

تحتاج سورية إلى أفكار، وقيم جديدة، ومحفزات قادرة على انتشالها من هذاالواقع.، لكن مع وجود النظام بعقليته الأمنية وأفكاره ، وفي ظل تراجع القيم الوطنية في سورية، يبدو مستحيلاً عبور المرحلة الجديدة بهذه الأدوات في ظل حكومة مركزية ، ولقد ضحت الحكومة المركزية بالنخب التقنية، والمتعلمة من خلال التهجير ، والآن أصبحت أسهماً في أرصدة ثروات الدول التي استقبلتها، ولا يوجد ما يشجعها على العودة رغم مطالبتنا بالعودة الآمنة للشعب السوري، وكما حطم الأسس الوطنية السورية، ودمر رأسمالاً رمزياً مهماً كان يمكن أن يكون عاملاً مساعداً على تجاوز هذه المرحلة، وما لم يتم إصلاح هذا العطب في الجسد السوري، سيكون مستحيلاً ، وكذلك الدول الراعية لن تحقق أي نتيجة إيجابية لتدخلها في سورية، ولن تنفعها مناوراتها وتكتيكاتها لتدجين المعارضة السورية أو النظام وخداع اللاعبين الآخرين .

والآن تواجه سورية واقعاً معقداً، ومؤلماً بعد احتلال الدولة التركية وميلشياتها أجزاء من سورية وتهجير أهلها واعتماد سياسية التغيير الديمغرافي ، والذي يستحيل حجبه عن الأنظار من خلال ارتكابها لجرائم حرب وجرائم عدوان وجرائم ضد الانسانية ، وكذلك مهما حاولت الأطراف “النظام وحلفاؤه ، والمعارضة وحلفاؤها ، في تغيير الصورة، فإن هناك واقع متجسد في سوريا من خلال الأزمة الاقتصادية حيث تتبدّى اليوم في انهيار العملة السورية، وأزمة وطنية يمثلها صراع دولي على الأراضي السورية يصل إلى حد الصدام ، يدور حول تقاسم مجمل الكعكة السورية، وكعكة الشمال تحديداً من خلال تواجد أربع قوى دولية وإقليمية.

ويتبدّى ذلك سياسيا في لجنةٍ دستوريةٍ جوفاء، لا تملك رؤية لمستقبل سورية، وذلك لعدم مشاركة كافة السوريين، ووجود احتلال لأجزاء من أراضيها كما لا تملك القدرة على فرض رؤيتها إن تبلورت مستقبلاً، لأن الوضع السوري قد انتقل من حالة الاستعصاء العسكري الذي كان سائداً قبل التدخل العسكري الدولي ، إلى استعصاء سياسي، واقتصادي واجتماعي، تظهر ملامحه في تسارع وتيرة الانهيارات السورية على جميع الصعد.
انهيار يوضح فشل النظام، والمعارضة السياسية والعسكرية في فهم جذر المشكلة السورية، وعجزهم عن بلورة خريطة طريق تخرج سورية من هذا النفق ، من خلال صفقات النظام مع حلفائه ، والتي باعت وما زالت تبيع الأراضي والثروات السورية لهم بأباخس الأثمان، مقابل حمايتهم ، بالإضافة إلى غياب رؤية سياسية، واقتصادية مستقبلية وحاضرة، وكذلك نهجت المعارضة السورية العسكرية والسياسية التي رهنت جميع إمكاناتها ومقدّراتها لخدمة المصالح التركية ، حتى لو كانت نتيجتها خسارة الوطن، وسفك دماء السوريين والمدنيين، وترسيخ حكم مافياتٍ استبداديةٍ وإجراميةٍ، كما حصل في عفرين، وشمال وشرق سورية من خلال كتل داعش بمسميات أخرى .
لذا تحتاج سورية اليوم برنامج يتوافق مع كافة مكونات الشعب السوري للتعبير عن تجاوز الشرخ الاجتماعي الذي صنعته الأطراف المتصارعة النظام منذ اليوم الأول للثورة او ما تسمى الأزمة السورية، وعمّقته المعارضة ، وهو انقسامٌ قائمٌ على تحويل المجتمع السوري إلى كياناتٍ متعدّدة منفصلة طائفية، أو عرقية أو إثنية أو دينية ، لكل منها رؤيتها وأهدافها وتطلعاتها وتحالفاتها الخارجية والداخلية التي لا تقوم من غيرها، ولا يجوز للسوريين الخروج عنها، حتى باتت شكاوى المواطنين من انهيار العملة بمثابة تواطؤٍ ، ومؤامرة خارجية من وجهة نظر الحكومة، وتحولت إلى مدعاة للسخرية والتشفي من طرف المعارضة .

كما أضحى رفض الاعتداءات التركية على الأراضي السورية، والاعتداء على جزء من مواطنيها المدنيين، بمثابة خيانة عظمى للثورة لدى المعارضة المرتهنة لتركيا ، وذريعة للنظام كي يعيد فرض حكمه الأمني على تلك المناطق، وإلى ما هنالك من تصريحاتٍ ومواقف رسمية للنظام والمعارضة، تكشف عن إصرارهم على تحويل المجتمع السوري إلى مجموعات وفئات متنازعة ومتصارعة منفصلة عن بعضها البعض ، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً. وهو ما يفرض على السوريين مزيداً من الهواجس والمخاوف الوطنية التي تحول دون تبلور موقف شعبي حاسم على الأرض، سواء في مناطق النظام أو خارجها، نتيجة خشيتهم من أن تتحول هذه المواقف إلى مطيةٍ يعبر عليها النظام أو المعارضة، وتؤدّي إلى استبدال طرف مكان طرف آخر ، لروسيا أو إيران أو تركيا أو أميركا ، رغم أن كلها متطابقة في النهج والممارسة، والنتيجة في خدمة مصالحهم الدولية
وفي المحصلة فطريق خلاص سورية ، لا يمر عبر أي منهم، بل يتطلب مساراً مختلفاً تماماً، مساراً قد أسّست له القوى الديمقراطية والادارات الذاتية بمبادئها الأولى من الاعتراف بكافة المكونات واعتماد النهج الديمقراطي وضمن برنامج التعددية ، اللامركزية ، الديمقراطية ، يحتاج السوريون اليوم إلى فرض خيارهم الثالث الخيار الوطني واعتماد المواطنة أساس البنية السورية وذلك بعد تجاوز مسبّبي هذه المأساة جميعاً، بدايةً من النظام وانتهاء بالمعارضة السياسية والعسكرية، فإننا في حزب سوريا المستقبل نؤسّس على وحدة المجتمع، انطلاقاً من وحدة معاناته ومآسيه وأزماته التي سوف تقودنا نحو إجماع على الأهداف والتطلعات. أما فيما يخص التباينات الاجتماعية والثقافية والدينية والقومية ، فيجب الاعتراف بها وهذا أمر طبيعي موجود في أي مجتمع من المجتمعات ، مهما صغر حجمه أو كبر ، ويعكس هذا التنوع ثراءً حقيقياً في المجتمع ، ويجب أن يكون في القانون والدستور حق الأفراد في ممارسة واعتناق أي توجه فكري، أو ديني أو عقائدي أو ثقافي ، من دون أي قيود تعيق ذلك ، باستثناء ما قد يهدد وحدة المجتمع وسلامته، كاملاً، أو جزءاً منه، بدلاً من تحولها إلى حججٍ من أجل تقسيم المجتمع وتفتيته، كي يسهل حكمه وأسره وتسييره بما يخدم مصالح فئات انتهازية محدودة العدد ، في حين يتطلب اعترافا كاملا بأحقية القضية الكردية وعدالتها، على اعتبارها قضية شعبٍ يبحث عن حريته المستلبة كان وما زال ضحية مصالح وتحالفات وألاعيب دولية كثيرة وعديدة، كما يجب الإقرار بأنهم جزء أصيل من القضية السورية العامة، وعلى السوريين جميعاً التكافل والتعاون والنضال من أجل إيجاد أو فرض حل يكفل حقوق الأكراد كاملة الثقافية والاجتماعية ، ويعبّر عن تطلعاتهم السياسية الكاملة ، من دون أي مساسٍ بحقوق باقي السوريين. وهو ما يتطلب مراعاة نقاط على درجة كبيرة من الأهمية.

الأولى : الأخذ في الاعتبار وقائع التمازج والتلاحم والتداخل الكبير بين السوريين، عرباً وكرداً وتركمان وسريان وآشوريين.

والثانية : التعبير عن تطلعات شعوب المنطقة المستقبلية، وحاجتهم لتلاحم وتعاون يصل إلى حد الانصهار المبني على أساس مساواة كاملة ، كي يتمكّنوا من تجاوز تعقيدات النظامين، الدولي والإقليمي، وعقباتهما، وتأسيس دولة الحرية والمساواة والرفاه والتطور والعدالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية .

في الختام، وعلى الرغم من صعوبة تأطير حزب سوري وطني ، منظم حزبيا، أو بأي شكل سياسي واضح المعالم اليوم، نتيجة الأوضاع الاستبدادية السائدة داخل سورية واحتلال أجزاء منها والتدخلات الدولية والإقليمية وبغض النظر عن طبيعة الجهة المسيطرة، وبحكم التشتت والتبعثر السوري داخل الوطن وخارجه ، إلا أن الحديث عن أهداف حزب سوريا المستقبل وتوجهاته ورؤاه وبرامجه ضرورة ملحّة وخطوة أولى في تجاوز القوى والأطراف المسؤولة عن نهب الثروات وتقسيم الوطن والمجتمع، وارتهان مستقبل سورية بمصالح الدول الخارجية ، وما يجب أن يُعرف هنا أن الحسم العسكري غير ممكن في ظل وضع سوري مشتت، ووضع إقليمي ودولي لا يريد انتصار طرف دون طرف ، في حين فقد النظام والمعارضة قوتهم وباتوا يعتمدون على قوى طائفية مستجلبة من الخارج ، ولذا فمن يتحكم في الصراع هو قوى إقليمية ودولية أكثر من القوى الداخلية، والأسوأ من ذلك أن القوى الأصولية باتت تتصدر المشهد، حيث تمتلك المال والسلاح بدعم مباشر من دول إقليمية، وتعمل على فرض سلطة أكثر سوءاً ، وكما انحصرت أهداف الثورة في إسقاط النظام ، وهو الهدف الذي ظهرت استحالته ، ولنعلم وليعلم كافة الأطراف الداخلية والإقليمية والدولية أن سوريا اليوم ليست سوريا قبل الحرب، وإن كان الرئيس هو نفسه، ونوعية الوزراء والنواب هي نفسها، والأجهزة الأمنية هي نفسها، فالشعب صار أكثر طائفية وراديكالية في بلد مدمر، ثمانون في المئة من أهله تحت خط الفقر، ومهجرين ونازحين، وتغيير ديموغرافي، وأحدث مشروع للدولة التركية، وهو نقل مليون سوري مهجر في تركيا للسكن في المنطقة الحدودية بين المالكية ورأس العين وتل أبيض، ورغم أن الصورة التي رسمها غيربيدرسون الموفد الدولي الخاص أمام مجلس الأمن، هي صورة “بلد محطم لا يزال في خطر وأزمة بسبب استمرار العنف والإرهاب وانتشار أربعة جيوش خارجية على أراضيه، فضلاً عن المعاناة والانتهاكات المروعة والمجتمع المنقسم بعمق والشعور باليأس بين الناس داخل البلاد وخارجها”، ووسط “شبح الحريق الإقليمي الأوسع الذي يلوح في الأفق من خلال ثورات العراق ولبنان والنزاع الدائر بين إيران وأمريكا لابد من حل للأزمة السورية عبر المسار السياسي ومشاركة كل السوريين بدون استثناء “.

م ابراهيم القفطان