حزب سورية المستقبل

مزقوا أحشاء ابني وأفقدوه عقله من شدة التعذيب

289

تقول الحكومة التركية إن سيطرتها على مدينتي تل أبيض ورأس العين والمنطقة الممتدة بينهما تهدف إلى إقامة “منطقة آمنة” لإعادة اللاجئين السوريين إليها وحماية حدودها كما تدعي، ويقول الأكراد إن هدف تركيا هو منع إقامة أي شكل من أشكال الحكم الكردي، وإحلال لاجئين من مختلف مناطق سوريا مكان السكان الأكراد الأصليين في المنطقة في سعي منها للتغيير الديموغرافي.

وكانت أنقرة قد احتلت منطقة عفرين الكردية في آذار/ماس 2018، وأطلقت على عمليتها العسكرية اسم “غصن الزيتون”. وقبل ذلك أطلقت عملية عسكرية سمتها “درع الفرات” في عام 2016 التي قامت من خلالها وبمساندة الفصائل الموالية لها بطرد عناصر “تنظيم الدولة الإسلامية” من جرابلس والباب والراعي في الريف الشمال الشرقي لمدينة حلب وفرض سيطرتها عليها.

مزاعم

وتقول أنقرة بأن تجربة “المنطقة الآمنة” نجحت في مناطق “غصن الزيتون” و”درع الفرات” وتسعى إلى توسيعها على طول حدودها مع سوريا من خلال العملية العسكرية التي أطلقتها مؤخراً تحت اسم “نبع السلام” بعد انسحاب القوات الأمريكية من عدة مناطق في شرق الفرات، الأمر الذي اعتبره الأكراد وكثيرون بأنه تدخل سافر من تركيا وطعنة في الظهر من الولايات المتحدة، بعد أن كان الأكراد حليفاً رئيسياً للتحالف الدولي في طرد “تنظيم الدولة الإسلامية” من المنطقة.

وبدأت تركيا بإرسال سوريين من تركيا إلى المناطق التي تخضع لسيطرتها في شمال سوريا مدعية بأنهم يعودون بملء إرادتهم.

إلا أن آنا شيا، الباحثة المعنية بحقوق اللاجئين والمهاجرين في منظمة العفو الدولية قالت: “إن زعم تركيا بأن اللاجئين السوريين يختارون طواعية العودة إلى مناطق النزاع أمر خطير وغير نزيه. إذ أن الأبحاث التي أجريناها تظهر أن الناس يتعرضون للخداع و يُجبرون على العودة”.

 

وتحدثت بي بي سي عربي إلى عدد من السكان الأصليين الأكراد في منطقة عفرين بعد مرور 18 شهراً على احتلالها. منهم من بقي فيها ومنهم من نزح إلى مخيمات اللاجئين في منطقة تل رفعت شمالي حلب ومناطق أخرى متفرقة، لإلقاء الضوء على تجربة “المنطقة الآمنة” و حياة الأكراد في ظل سيطرة عشرات الفصائل المعارضة المسلحة المدعومة من تركيا.

أمل مجروح

“كنا قد نزحنا عن قريتنا “قسطل جندو” القريبة من اعزاز، إلى عفرين بعد سيطرة الجيش التركي و الفصائل المسلحة عليها في أوائل مارس/آذار 2018. لكن ابني آراس كان عنيداً ومتعلقاً بأرضه لدرجة مخاطرته وذهابه إلى القرية للاطمئنان على أشجار الزيتون، إلا أنه خرج ولم يعد إلينا إلا منذ شهور قليلة، ولكن…”

هكذا بدأت أمينة حميد، والدة آراس خليل الذي يبلغ من العمر 30 عاماً، بسرد قصة ابنها الذي تم تعذيبه من قبل الفصائل المسيطرة على المنطقة ثم رميه على أحد الطرق بعد أن أفقده التعذيب السمع والإدراك وتمزقت أحشاؤه ومنطقة الشرج كاملاً وقطعت أذنه اليسرى في ثلاثة أماكن.

كانت أمينة قد فقدت الأمل تماماً وأقنعت نفسها بعد مرور أكثر من عام على اختفاء ابنها بأنه قُتل على يد الفصائل المسيطرة على قريتها، إذ أن حوادث الخطف والقتل والتعذيب كانت ولا زالت شائعة.

شعرت الأم بحزن بالغ على آراس لأنها لم ترَ وجهه وتلمسه وتودعه للمرة الأخيرة وتصلي عليه وتقول: “غبت عن الوعي وسقطت أرضاً بعد أن أخبرني جاري قبل أشهر أنه رأى صورة ابني منشورة على موقع فيسبوك، مع نص يقول (يُرجى لمن يعرف صاحب الصورة التواصل معنا لاستلامه من مستشفى في حلب)”.

عشق الأرض

وكان آراس، فلاحاً بسيطاً وذو بنية قوية كأي فلاح، ولم يكن يهتم بالسياسة، بل كان كل شغفه واهتمامه هو أرضه وأشجار الزيتون، يسعد بمحصول الزيتون و يحزن إذا لم تمطر السماء.

ومن شدة شغفه بأشجار الزيتون، خرج ليتفقدها في آذار/مارس 2018، إلا أنه لم يعد.

تقول أمينة: “رغم معرفتي بخطورة الأمر، إلا أنني ذهبت إلى قريتي لأسأل فصيل السلطان مراد عنه، لكنهم طردوني وأهانوني وقالوا لي، إن لم تذهبي من هنا، فسنلحقك بابنك”.

لم تجد أمينة أي أثر لابنها سوى فردة حذائه في أرضهم، فأيقنت أنه قُتل.

وبعد ذلك نزحت أمينة عن عفرين إلى مخيمات النازحين في تل رفعت.

كما يمر زوج أمينة أيضاً بحالة نفسية سيئة أشبه بالهلوسة والهيستيريا، نتيجة الهجمات المكثفة على المنطقة، ولم يعد يتعرف على زوجته، بل بات يظن أن كل من حوله يريد قتله، لذلك يشتمها تارة ويطردها تارة أخرى دون أن يدرك ما يفعله، وما زال الزوج على تلك الحالة إلى الآن ويحتاج إلى علاج نفسي حد قول زوجته.

العثور على آراس

بعد أن أخبر أحد جيران أمينة بأنه رأى صورة ابنها على فيسبوك، جرت ترتيبات استلام آراس من مستشفى حلب قبل أشهر، من قبل خاله الذي يعيش في حلب، وأحضره معه إلى مكان إقامة والدته حيث اجتمع الجيران لاستقباله.

كانت الصدمة كبيرة جداً عندما رأت أمينة ابنها محملاً بين الأيادي كالأطفال، وتغيرت ملامحه وشكله وفقد الكثير من وزنه.

فقدت أمينة وعيها برؤية ابنها، وبعد أن عاد إليها وعيها انفجرت بالبكاء عليه بعد أن رأت حالته المتدهورة، إذ فقد حاسة السمع والإدراك عدا عن الإعاقات التي يعانيها إلى الآن نتيجة للتعذيب الشدسد الذي تعرض له.

خازوق تركي

تم إخبار العائلة بحالة آراس من قبل المستشفى، وأصدر الهلال الأحمر الكردي والسوري تقريراً بحالته، إذ قيل للأم عن تفاصيل حالة آراس الذي عثرت عليه دورية عسكرية حكومية بالصدفة وهو مرمي بجانب طريق حلب – اعزاز.

تم أخذه إلى مستشفى بحلب وبقي هناك قرابة أربعة أشهر لعلاجه من آثار التعذيب والجروح والحروق التي كانت في جسده.

وتقول الأم: “لم تكن ملامح وجهه واضحة بسبب آثار التعذيب، وجاء إلي محملاً مثل قطعة لحم، لقد اغتصبوه بخازوق تركي أدى إلى تشققات حادة في منطقة الشرج بالكامل وصولاً إلى الأمعاء الغليظة.

ورغم مرور قرابة ستة أشهر على علاجه، “مازال ولدي غير قادر على الجلوس إلا في وضعية القرفصاء، ولا يستطيع المشي إلا بمساعدة، ويظل طوال الوقت مستلقٍ على ظهره، لا يتحرك ولا يطلب طعاماً أو ماءً، لقد فقد حاسة الإدراك، فإذا لم أطعمه أنا، أو أعطيه ماءً، يظل على تلك الحالة أياماً وليالٍ”.

وتعتني الأم بآراس الآن كطفل صغير، وتغير حفاضاته ثلاث أو أربع مرات يومياً، لأنه لم يعد يتحكم بخروجه.

وتضيف أمينة باكية: “الآن، يتحدث إلي عن طريق الإشارات إذا أراد شيئاً، أما إذا نفذت أدويته المهدئة، فيتحول إلى شخص خارج عن السيطرة، يضربني ويدفعني عنه ولا يعلم بأنني والدته، وهذا يزيدني ألماً”.

“كانت حالته كعائد من الموت، الكلام ليس كمن يرى، إنه شخص آخر الآن، شخص بعاهات كثيرة، لقد تمت خياطة أذنه اليسرى في ثلاث أماكن”.

وتسكن حالياً أمينة وابنها وزوجها المعاقين في مخيمات النازحين بتل رفعت، على أمل العودة إلى قريتها يوما ما.

 

إدارة تركية خالصة

أما جيهان (62 عاماً) والتي كانت تعمل مديرة لمدرسة إعدادية في عفرين، فقد تركت عملها وتحولت إلى “الاهتمام بحقول الزيتون التي يتم نهبها باستمرار من قبل الفصائل الموالية لتركيا وعائلاتهم”، وخاصة بعد وفاة زوجها في يوليو/تموز الماضي.

وتصف الحالة التي يعيشها الأكراد في عفرين وقراها بالمزرية والظالمة قائلةً: “يتصرف العمال وكأنهم أصحاب الأرض، فالضباط الأتراك لا يحاسبونهم، بل يدّعون بأنهم لا يتدخلون بالأمور المحلية والحياة اليومية التي لها جهات معنية تقوم بذلك”.

وتضيف: “لكن الحقيقة أعلمها كما يعلم الجميع، بأن الجهات المعنية هي من تنهب وتخطف وتقتل وتبتز، والأتراك على علم بكل ذلك إلا أنهم يغضون النظر عن جرائمهم بهدف دفعنا نحو النزوح عن بيوتنا وأراضينا كما فعل عشرات الآلاف من الأكراد في عفرين”.

هيفاء حسن

بي بي سي عربي

#حزب_سوريا_المستقبل
#تقرير